مجمع البحوث الاسلامية

311

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

لإخراجهم من عهدة يمين حلفوها ، بتحريم ما أحلّ اللّه على أنفسهم ولو كان تورّعا وزهدا . وفي سورة البقرة آية قرّرت أنّ اللّه لا يكلّف نفسا إلّا وسعها ، وأنّ الإنسان لا يسأل إلّا عمّا صدر منه فعلا ، وعلّمت المسلمين الدّعاء للّه بعدم مؤاخذتهم بما يصدر عنهم من عمل مغاير لما أمر به بسائق النّسيان والخطأ ، وبعدم تكليفهم تكاليف شديدة وإلزامهم بإلزامات محرجة ، كما كان شأن الّذين من قبلهم ، وبعدم تحميلهم فوق طاقتهم . ولقد روى المفسّرون « 1 » أحاديث في سياق هذه الآية تفيد أنّ اللّه سبحانه وتعالى قد قرّر أن يستجيب لهذا الدّعاء الّذي علّمهم إيّاه . وفي سورة البقرة : 185 ، في سياق آيات الصّيام هذه الجملة يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وفي سورة المائدة : 6 في سياق آيات الوضوء هذه الجملة ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ . . . حيث يتساوق بذلك التّلقين القرآنيّ الجليل الّذي انطوى في هذه الآية ، كما هو ظاهر . ولقد أثرت أحاديث نبويّة عديدة في هذا الباب أيضا ، منها وصيّة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لمعاذ وأبي موسى رضي اللّه عنهما حينما بعثهما إلى اليمن وهي « بشّرا ولا تنفّرا ويسّرا ولا تعسّرا » . [ ثمّ استشهد بأحاديث أخر وقال : ] وهكذا يكون التّساوق تامّا بين التّلقين القرآنيّ والتّلقين النّبويّ ، ويصبح المعنى الّذي احتوته الجملة من المبادئ المحكمة في الإسلام . ( 7 : 126 ) مغنيّة : هذا أصل من أصول الشّريعة الإسلاميّة تتجلّى فيه سعتها ولينها ومرونتها . وفي الحديث : « إنّ دين اللّه يسر » لا عسر فيه ولا مشقّة ، وهذا هو دين الفطرة ، وقد فرّع الفقهاء على هذا الأصل العديد من الفتاوى والأحكام في جميع أبواب الفقه ، واشتهر على ألسنتهم وفي كتبهم : الضّرورات تبيح المحظورات ، الضّرورة تقدّر بقدرها ، الضّرر الأشدّ يزال بالضّرر الأخفّ ، يتحمّل الضّرر الخاصّ لدفع ضرر عامّ . ومن أجلى مظاهر اليسر في الإسلام أنّه لم يقم بين الإنسان وخالقه أيّة واسطة ، كما هو شأن الأديان الأخرى . ( 5 : 352 ) الطّباطبائيّ : امتنان منه تعالى على المؤمنين بأنّهم ما كانوا لينالوا سعادة الدّين من عند أنفسهم ؛ وبحولهم غير أنّ اللّه منّ عليهم ، إذ وفّقهم فاجتباهم وجمعهم للدّين ، ورفع عنهم كلّ حرج في الدّين امتنانا ، سواء كان حرجا في أصل الحكم أو حرجا طارئا عليه اتّفاقا ، فهي شريعة سهلة سمحة ، ملّة أبيهم إبراهيم الحنيف الّذي أسلم لربّه . ( 14 : 412 ) عبد الكريم الخطيب : ثمّ إنّ هذه الرّسالة - رسالة الإسلام - مع ما فيها من دعوة إلى بذل النّفس والمال ، بالجهاد - في سبيل اللّه - فإنّها رسالة قائمة على الرّحمة والعدل ، ليس فيها حرج ومشقّة على أهلها ؛ إذ إنّ من أسسها العامّة أنّه لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وإنّ كلّ إنسان يحمل من تكاليفها وأوامرها قدر ما يستطيع ، وفي هذا القدر تحقيق لأدنى المطلوب . ففي باب الجهاد مثلا ، يبدأ الجهاد بمجاهدة النّفس ، وكفّها عن المحرّمات ، وردّها عن الأهواء والشّهوات .

--> ( 1 ) انظر تفسير آية البقرة في تفسير ابن كثير .